فخر الدين الرازي
58
تفسير الرازي
خليلة له في الجاهلية ، أعرضت عنه عند الإسلام ، فالتمست الخلوة ، فعرفها أن الإسلام يمنع من ذلك ، ثم وعدها أن يستأذن الرسول صلى الله عليه وسلم ثم يتزوج بها ، فلما انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفه ما جرى في أمر عناق ، وسأله هل يحل له التزوج بها فأنزل الله تعالى هذه الآية . المسألة الثانية : اختلف الناس في لفظ النكاح ، فقال أكثر أصحاب الشافعي رحمه الله : إنه حقيقة في العقد ، واحتجوا عليه بوجوه أحدها : قوله عليه الصلاة والسلام : " لا نكاح إلا بولي وشهود " وقف النكاح على الولي والشهود ، والمتوقف على الولي والشهود هو العقد لا الوطء ، والثاني : قوله عليه الصلاة والسلام : " ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح " دل الحديث على أن النكاح كالمقابل للسفاح ، ومعلوم أن السفاح مشتمل على الوطء ، فلو كان النكاح اسماً للوطء لامتنع كون النكاح مقابلاً للسفاح وثالثها : قوله تعالى : * ( وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم ) * ( النور : 32 ) ولا شك أن لفظ * ( أنكحوا ) * لا يمكن حمله إلا على العقد ورابعها : قول الأعشى ، أنشده الواحدي في " البسيط " : فلا تقربن من جارة إن سرها * عليك حرام فانكحن أو تأيما وقوله : * ( فانكحن ) * لا يحتمل إلا الأمر بالعقد ، لأنه قال : " لا تقربن جارة " يعني مقاربتها على الطريق الذي يحرم فاعقد وتزوج وإلا فتأيم وتجنب النساء ، وقال الجمهور من أصحاب أبي حنيفة : أنه حقيقة في الوطء ، واحتجوا عليه بوجوه أحدها : قوله تعالى : * ( فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره ) * نفي الحل ممتد إلى غاية النكاح ، والنكاح الذي تنتهي به هذه الحرمة ليس هو العقد بدليل قوله عليه الصلاة والسلام : " لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك " فوجب أن يكون المراد منه هو الوطء وثانيها : قوله عليه الصلاة والسلام : " ناكح اليد ملعون وناكح البهيمة ملعون " أثبت النكاح مع عدم العقد وثالثها : أن النكاح في اللغة عبارة عن الضم والوطء ، يقال : نكح المطر الأرض إذا وصل إليها ، ونكح النعاس عينه ، وفي المثل أنكحنا الفرا فسترى ، وقال الشاعر : التاركين على طهر نساءهم * والناكحين بشطي دجلة البقرا وقال المتنبي : أنكحت صم حصاها خف يعملة * تعثرت بي إليك السهل والجبلا ومعلوم أن معنى الضم والوطء في المباشرة أتم منه في العقد ، فوجب حمله عليه ، ومن الناس من قال : النكاح عبارة عن الضم ، ومعنى الضم حاصل في العقد وفي الوطء ، فيحسن استعمال هذا اللفظ فيهما جميعاً ، قال ابن جني : سألت أبا علي عن قولهم : نكح المرأة ، فقال : فرقت العرب في